بن عيسى باطاهر

140

المقابلة في القرآن الكريم

ونمضي الآن مع سورة التوبة لدراسة طريقة استخدامها لأسلوب المقابلة في عرض قضية الجهاد وما يقابله من قعود وتخلف عنه ، قال تعالى : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 19 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ [ التوبة : 19 - 20 ] . هذه الآيات تقابل في مضمونها بين الجهاد والقعود عنه ، وبين المؤمنين المجاهدين وفضلهم عند اللّه ، وبين المتخلّفين الذين اعتبروا المساجد وخدمة الحجيج أفضل أجرا وأحسن عملا عند اللّه ، وقبل الحديث عن أسلوب التقابل لا بد أن نتحدث عن القيم الدينية والمعنوية التي أفرزها هذا الأسلوب في الأداء ، فأول قيمة دينية أنه لا وجه للمقابلة بين الجهاد وبين أيّ عمل آخر حتى ولو كان عملا متعلقا ببيت من بيوت اللّه هو أفضل البيوت عنده ، وأفضل خدمة عنده وهي خدمة الحجيج ، قال ابن قيم الجوزية ( - 751 ه ) : « فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمّار المسجد الحرام ، وهم عمّاره بالاعتكاف والطواف والصلاة ، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن ، وأهل سقاية الحاج ، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل اللّه ، وأخبر أن المجاهدين أعظم درجة عنده ، وأنهم هم الفائزون ، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات ، فنفى التسوية بين المجاهدين وعمّار المسجد الحرام مع أنواع العبادة ، مع ثنائه على عمّاره بقوله : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ التوبة : 18 ] فهؤلاء هم عمّار المساجد ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند اللّه منهم » « 1 » . لقد قابلت الآيات بين المؤمنين المجاهدين والقاعدين المتخلفين ، وبعد هذه المقابلة جاء نفي التسوية بينهما في ميزان الحق والعدل ، و « لما كان نفي

--> ( 1 ) طريق الهجرتين - ط قطر - ص 623 .